شروط وشرور صندوق النقد الدولي

د. عطية المعلم
03 حزيران 2020
مقالات
مشاركة

د. عطية المعلم

"الكحل أحلى من العمى" مقولة يمكن تطبيقها على صندوق النقد الدولي وشروطه القاسية، باعتباره أفضل الحلول السيئة. فلبنان الذي استفاق من كبوته متأخراً وجد نفسه عاجزاً عن معالجة أموره بنفسه، وسارع الى طلب النجدة من صندوق النقد، عبر ضخ كتلة نقدية دسمة، حتى لا يغرق الوطن تحت مصائبه المفجعة من إفلاسات وانهيارات محتمّة، وطامحاً أبعد من ذلك أن تعطيه مساعدة صندوق النقد شرعية أمام الدول المانحة، حيث عينه أيضاً على بعض الدولارات منها. لكن لبنان يبقى لبنان، فالتشرذم والاختلاف في وجهات النظر بين الحكومة ومصرف لبنان، كانت من الصفات الطاغية على الوفد اللبناني المتجه للتفاوض مع صندوق النقد، والانطلاقة كانت بانطباع سيء بأن ليس هناك جدّية في التعامل. فقرارات الحكومة لا يمكن فصلها عن قرارات ووجهات نظر المصرف المركزي خصوصاً في ما يتعلق بإعادة هيكلة المصارف وقرار تعويم الليرة وسواها، للتوصل الى أرقام موحدة وخطط جدية تبيض صفحتنا أمام صندوق النقد الذي يضع على لبنان شروطاً صعبة. ويبقى السؤال هل سيتمكن لبنان فعلياً من تطبيق هذه الشروط؟ وما هي انعكاساتها السلبية على البلد؟ وهل امامنا مخارج أقل وطأة؟

 

أولاً: تحرير سعر الصرف من الشروط الأساسية لصندوق النقد، ومن المصائب الأولى على رؤوس اللبنانيين الذين ستتآكل رواتبهم وتتبخر مدخراتهم. والسؤال المصيري والأهم هل سيتمكن مصرف لبنان من كبح تدهور سعر الليرة مقابل الدولار، وإعادة تثبيته على سعر معيّن، أم أننا أمام حالة فنزويلية أخرى؟ فالمعطيات التي نملكها ضعيفة حيث الاحتياطي من العملات الأجنبية لا يتعدى الـ 20 مليار دولار، وودائع وحوالات المغتربين تراجعت بشكل دراماتيكي، والهيئات المانحة تتردد في دعمنا، والدول العربية تتحفظ في مساعدتنا بسبب حزب الله وجائحة كورونا، والأهم أننا في بلد قائم على الاستهلاك بدل الإنتاج فلا صناعة ولا زراعة ولا سياحة، باختصار لا موارد للدولار. وطبع العملة دون تغطية دولارية أو إنتاجية أو ذهبية لن يؤدي الا الى المزيد من التضخم الجامح أو الـ Hyper Inflation. والحل بتحرير سعر الصرف بنسب بسيطة ومتلاحقة، على أن تترافق هذه العملية مع خطة اقتصادية شاملة بدءاً من تطوير البنى التحتية التي تعتبر العامود الرئيسي لتطوير السياحة والإنتاج والتصدير لاستقطاب العملة الأجنبية التي تشكل تغطية لعملتنا المحلية وتمنع انهيارها.

         

ثانياً: زيادة ضريبة القيمة المضافة على شعب خسر وظائفه وودائعه وقيمة عملته. الم يكن من الأجدى رفع الضرائب على السلع الفاخرة بدل الأساسيات؟ وعلى الدخان والمشروبات الروحية مثلاً، التي بالإضافة الى الأرباح العالية من الضريبة عليها، فهي تحقق أرباحاً أخرى للميزانية لأنها تساهم في تراجع الانفاق الصحي. إضافة الى زيادة الضرائب على المستوردات من أجل حماية الصناعة الوطنية، واعتماد نظام الضريبة التصاعدية على أرباح الشركات.

 

ثالثاً: إلغاء الدعم على الكهرباء والطحين والمواد الأولية الغذائية والدواء والنفط. وكأننا نضع شعباً مهدداً بالجوع والبطالة والتضخم، في مهب الريح، مفسحين المجال لانفجار اجتماعي ضخم. وهنا يجب أن تركز المفاوضات مع صندوق النقد على ضرورة تطبيق الشروط بشكل تدريجي، فيصبح رفع الدعم أمراً ممكناً بعد تقوية الاقتصاد وتحسين الظروف المعيشية.

 

رابعاً: إعادة هيكلة القطاع المصرفي الذي رغم أخطائه الجسيمة وتعاملاته المجحفة بحق المودعين، الا أن الحكومة لا يمكن أن تلزمه بالدمج القصري وتخفيض عدده من 49 مصرفاً الى 25، لأنها بذلك تنسف النظام الاقتصادي الحرّ وتحوله الى نظام اشتراكي. والأسوأ أن الدولة تعلن بكل وقاحة عن استعدادها لمنح 5 تراخيص لمصارف متخصصة جديدةInvestment Banks ، برأسمال 200 مليون دولار لكل مصرف.

 

خامساً: إعادة جدولة الدين العام الذي أتى متأخراً جداً ما اضطر الحكومة الى الامتناع عن التسديد، في الوقت الذي كان بإمكانها وبإمكان الحكومات السابقة المتعاقبة إجراء مفاوضات مع الدائنين لاقتطاع جزء كبير من الفوائد على الأقل.

 

وأمام الشروط السابقة التعجيزية، هناك شروط أخرى حبذا لو نبدأ بتنفيذها اليوم قبل غد.

 

أولا: تطبيق الحوكمة التي رغم أهميتها الكبرى في محاربة الفشل المالي والإداري في القطاعات الحكومية وتحقيق الجودة والتميز في الأداء، ما زالت غير مطبقة، بل على العكس، فالحكومة تعتمد علانية وبشكل مطلق على الفساد والمحاصصة الطائفية. وأي جهود للإصلاح لن تنال مبتغاها اليوم، ما دامت الحوكمة في خبر كان.

 

ثانياً: معالجة ملف الكهرباء الذي يكلف الدولة حوالي 2 مليار دولار سنوياً، وهناك عدة حلول يمكن المباشرة بتنفيذها:

- إطفاء عدادات كهرباء لبنان، والاعتماد لفترة محدودة على المولدات. والمباشرة بطرح مناقصات علمية شفافة، لإنشاء معامل إنتاج عصرية وحديثة، على أساس التعاون المشترك يبن القطاعين العام والخاص أو ما يعرف بالـ PPP (Public Private Partnership)
- تفعيل مصفاة طرابلس، واستيراد الفيول مباشرة من العراق عبر سوريا التي تم تحويل كل البترول العراقي اليها سابقاً عبر مصفاة بنياس، بالتواطؤ والتنسيق مع زعماء الميليشيات والفاسدين فترة الحرب الأهلية. وهذه الخطوة من شأنها أن توفر المليارات على الشعب والخزينة، بدل الوقوع تحت رحمة تجار وكارتيلات النفط والفيول. أما مصفاة الزهراني فأيضاً فيمكن تفعليها في فترة لاحقة، لأن السعودية اليوم تتحفظ عن مساعدة لبنان بسبب تدخلات حزب الله.

 

ثالثاً: إغلاق المعابر غير الشرعية التي توفر أكثر من 5 مليارات دولار سنوياً من العملة الأجنبية التي نحن بأمس الحاجة اليها اليوم.

 

رابعاً: تقليص حجم القطاع العام الذي تخطى الـ 300 ألف موظفاً على عدد سكان 4 ملايين، بينما فرنسا التي يبلغ عدد سكانها الـ 65 مليون تملك نفس عدد الموظفين الحكوميين. وبالتالي فإن كلفة التوظيف في القطاع العام في لبنان هي 320% من معدل الكلفة في دول أخرى، ورواتبهم تستنزف ثلث ميزانية الدولة، فيما جزء كبير منهم دخل الى الملاك عن طريق الواسطة وهو غير كفوء أو منتج. وهذه العملية رغم قسوتها خصوصاً في هذه المرحلة الا أنه يجب تنفيذها فوراً، لأن ليس لدينا مجال لإضاعة الوقت.

 

علماً أن أغلب البنود السابقة التي اشترط صندوق النقد تشريعها ضمن قوانين وإجراءات رسمية سوف تصطدم بعقبتين أساسيتين: الانفجار الشعبي الذي لا يمكن للدولة أن تتغاضى عنه وتمضي في تنفيذ مخططاتها، إضافة الى معارضة ومحاربة حزب الله للعديد منها لأنها تتعارض مع سياسته.

 

وبعد كل الجهود، فأن المبلغ المرصود للبنان من صندوق النقد قد لا يتعدّى الـ 5 مليار دولار، وهو 5 أضعاف حصتنا في الصندوق التي تقدر بـ 861 مليون دولار، على أن يدفع المبلغ على 5 سنوات، وما يعتقده كثيرون بأننا سنحصل على 10 مليار في فترة زمنية قصيرة ليس الا حلماً صعب المنال.

 

وأخيراً فإن ما قامت به الحكومات المتعاقبة من فساد ومحاصصات، ليس الا لعبة بريئة أمام اللعبة الدنيئة الأكبر والمؤامرة العظمى لإغراق البلد ورهنه الى أبد الآبدين. والمحزن أن الشعب اللبناني أعطى بنفسه سكينه للجزار حتى يقطع رأسه، عبر انتخاب نفس الطبقة الحاكمة والتزلم والانبطاح لها.

 

واليوم إما أن تتظافر الجهود للانطلاق بتنفيذ الحلول فوراً، والا فنحن قادمون على فاجعة خطيرة، حتى رئيس الوزراء لم يستطع إنكارها وأعلن بوضوح أن أكثر من 50% من اللبنانيين لن يجدوا قوت يومهم قريباً. وللثورة النزيهة نقول لا تخرجوا من الشارع قبل إقرار قوانين مكافحة الفساد وإطلاق يد القضاء الحرّ الشرطين الأساسيين للانطلاق بخطة الخلاص، والتعاون مع صندوق النقد الذي لا مجال للتخلي عنه اليوم مهما كانت شروطه صعبة.

 

المصدر: الجمهورية

 

أخبار من نفس الفئة