احتياطات "المركزي" أمام "تنظيرات" التعويم النقدي

كلمة "النقد" بالالمانية WAHRUNG تعني "الحماية" أي الحفاظ على قوة وقيمة الشيء وهي من فعل WAHREN وتعني "الدعم" / د. هاليمار شاخت - منقذ المارك الالماني 1924
29 آب 2019
مقالات
مشاركة

ذوالفقار قبيسي:

واجه حاكم مصرف لبنان  مشروع بعض الاقتصاديين والاعلاميين والوزراء السابقين الذين اقترحوا على رئيس الجمهورية تغيير سعر صرف الليرة كحل للأزمة الاقتصادية، بمعارضة شديدة اختصرها بانها "ضرب من الخيال" مؤكدا على الاستمرار في سياسة تثبيت سعر الصرف، انطلاقاً من ان مساوء خفض السعر سيكون له تداعيات سلبية أكبر بكثير من أي ايجابيات قد يتصورها بعض الذين ينقلون تجارب ودروس من دول أخرى تُعوّم عملاتها أو تخفّضها أحياناً لأسباب وظروف عدة لا تشبه ظروف لبنان. ومن تلك الظروف ان خفض سعر الصرف في هذه البلدان ـ كما يحصل الآن في الصين على سبيل المثال ـ من شأنه أن ينشط القوة التصديرية (والسياحية) وبما يحقق نتائج ايجابية تفوق أي سلبيات قد يتأتى عنها التخفيض. أما في حال لبنان المعروف عنه ضعف التصدير ومحدودية السياحة، فإن التخفيض سيؤدي الى تداعيات عدة أبرزها تراجع القوة الشرائية للعدد الأكبر من اللبنانيين، ولا سيما ذوي الدخل المحدود، اضافة الى فقدان الثقة العامة بالنقد الوطني اللبناني لدى المستثمرين العرب والأجانب، ولا سيما لدى المغتربين اللبنانيين الذين يشكلون جزءاً كبيراً من المودعين في المصارف اللبنانية والمستثمرين في لبنان.

وهذه التداعيات السلبية شهدنا نماذج عنها في بلدان، حتى صناعية منها، أدى انهيار سعر الصرف فيها الى كوارث أو أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية، منها اليونان وتركيا واسبانيا وايطاليا، وأخيراً فنزويلا (فضلا عن العراق وسوريا حيث أدى الانهيار الأمني والسياسي الى انخفاض سعر الليرة والدينار) والى الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.

مع العلم أن الاقتصاد اللبناني لديه ظروف استثنائية كونه إقتصاد مدولر والكلفة في لبنان تحتسب بالدولار الأميركي مهما كان سعر صرف الليرة، وسوف لن يؤدي تغيير سعر الصرف سوى الى التضخم وارتفاع أكبر في الفوائد والركود وهز الثقة بالقطاع المصرفي، في وقت أكد تقرير مفوضية الشؤون الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي: "ان فك الرّبط  وتعويم سعر الصرف في لبنان، رغم الفوائد المباشرة التي قد يحققها على صعيد تنافسية الاقتصاد، سيتسبب في اطلاق ديناميكية تضخم، وانكماش في الاقراض وركود في الاقتصاد، وارتفاع في تكلفة الدين الخارجي بالعملة اللبنانية مما سيخلق احتمالا قوياً بتوقف لبنان عن دفع خدمة الدين بما قد يتسبب بدوره بهزة للقطاع المصرفي".

فهل يريد "المنظرون" الذين طالبوا أخيراً السلطة السياسية بخفض سعر الليرة، الوصول الى هذه الكارثة بناء على تصورات لديهم، رفضها حاكم مصرف لبنان الذي أكّد في تصريح له: "إن الليرة مستقرة وستبقى مستقرة.. والحديث عن خفض السعر نسمعه منذ أن توليت حاكمية مصرف لبنان في العام 1993، ولا نية لدينا ولا للدولة اللبنانية لتغيير سعر الصرف، وهذا الأمر غير وارد اطلاقاً ليس انطلاقا من عواطف بل من أرقام وبيانات وبخاصة مع بدء مرحلة اقتصادية ومالية جديدة تتمثل بإقرار موازنة 2019، وقرب الانتهاء من موازنة 2020 التي ستأتي بمزيد من الاصلاحات المالية والهيكلية".

هذا في وقت بلغت الاحتياطيات الأجنبية لدى مصرف لبنان حتى نهاية النصف الأول من تموز 2019 أكثر من 37 مليار دولار مع استقرار احتياطيات الذهب بـ13,05 مليار دولار أي بما مجموعه 50 مليار دولار، رغم تسديد مصرف لبنان ما قيمته 3,5 مليارات دولار في أول 6 أشهر من هذا العام لتغطية خدمة الدين وأصل الدين. اضافة الى ان الهندسات المالية التي أجراها مصرف لبنان منذ 2016 رفعت نسبة الملاءة لدى المصارف الى 16% بما مكنها من تطبيق المعايير الدولية IFRS9 ، فيما أكد تقرير صندوق النقد الدولي في أحدث تقرير له (المادة الرابعة): "ان مصرف لبنان هو ركيزة الاستقرار المالي والكيان الحارس لنظام سعر الصرف.. وعلى مدار السنوات القليلة الماضية، وفرت العمليات النقدية التي يقوم بها مصرف لبنان عائدات جديدة كبيرة بالليرة اللبنانية على الودائع الجديدة للمصارف بالدولار الأميركي لدى المصرف". في وقت سجلت موجودات المصارف اللبنانية نموا جيداً بنسبة 13,5% الى 254 مليار دولار في نهاية 2018 وارتفاعا 3,7% في ودائع الزبائن الى 189,6 مليار دولار وزيادة 1,9% في مجموع التسليفات منها 62 مليار دولار للقطاع الخاص و34,3 مليار دولار للقطاع العام. وبمعدلات هي أقل من السائد في أسواق دول مماثلة لأسواق لبنان، سواء في مصر أم في تركيا أم سواها من دول الأسواق الناشئة.

 

أخبار من نفس الفئة