علي العلاق (محافظ البنك المركزي العراقي): موروثات سلبية وتحديات ضخمة نضعها على طاولة الحلّ للإرتقاء بالقطاع المصرفي العراقي الى أعلى مستوياته

01 تموز 2019
غلاف العدد
مشاركة

بعد حصوله على جائزة أفضل محافظ بنك مركزي على مستوى الدول العربية للعام 2018 من قبل اتحاد المصارف العربية، على خلفية النجاح الباهر الذي حققه البنك المركزي العراقي في التصدي للأزمات الإستثنائية التي واجهت البلاد والإقتصاد، وأبرزها سيطرة «داعش» على مناطق واسعة من العراق وإحكامه على جزء كبير من موارد الدخل، إضافة الى تدهور أسعار النفط الذي يشكل حوالي 90% من موارد الدولة،متمكناً رغم كل شيء من تثبيت سعر صرف الدينار العراقي، والإمتثال للقوانين العالمية خصوصاً في ما يتعلق بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب،يواصل محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق سعيه الدؤوب ليكون الحصن الراعي للقطاع المصرفي العراقي عبر محاولة تذليل كافة العوائق التي تواجهه ورفعه الى مستويات عالية تعكس الصورة الحقيقية لبلاد ما بين النهرين، التي عرف عنها الريادة والإنفتاح والتقدم في محيطها العربي. مجلتنا التقت المحافظ العلاق، وكان لنا معه هذا الحوار، عن التحديات والعراقيل التي تواجه القطاع المصرفي في العراق والحلول التي يطرحها ويعمل عليها البنك المركزي العراقي للإرتقاء بالقطاع ليكون على المستوى العربي والعالمي المطلوب:

 

1- في أوجّ الأزمة الأمنية والإقتصادية التي تعرض لها العراق، من سيطرة منظمة «داعش» على جزء كبير من الأراضي العراقية، والإنخفاض الدراماتيكي لأسعار النفط الذي يعتبر المورد الرئيسي للبلاد، إنتهجتم سياسة نقدية شجاعة وحكيمة، ساهمت في انقاذ البلد من كوارث مالية وإجتماعية ووضعته على شاطئ الأمان، كيف استطعتم تحقيق هذه النجاحات رغم كل الضغوط؟

شكل احتلال «داعش» للأراضي العراقية، وسيطرته على جزء كبير من مؤسسات ومقدرات الدولة، إضافة الى الهبوط الكبير لأسعار النفط وبالتالي تراجع واردتنا من العملة الصعبة في بلد يعتمد بشكل شبه كلّي على الإستيراد، صدمة قوية للبلد الذي اصبح على شفير الإنهيار المالي حيث انخفضت الموازنة العامة للدولة بشكل كبير، لدرجة أن وزير المالية صرّح بأن الدولة قد تكون غير قادرة على دفع الرواتب. وفي ظلّ هذه الظروف الإستثنائية كان لا بدّ للبنك المركزي من أن يتمسك بقوته المعنوية ويعكس روح الثقة أمام الناس والحكومة والعالم. وقد نجحنا في تحويل الأموال لسدّ عجز الموازنة ودفع رواتب الموظفين الحكوميين. كما حققنا نجاحاً باهراً في الحفاظ على استقرار سعر الصرف وإلغاء الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق، رغم الضغوطات الكثيفة من الحكومة والمؤسسات الدولية لإعادة النظر فيه، الا أن رأيي الشخصي كان أن أي تغيير في السياسة النقدية في ظروفٍ غير مستقرّة قد يعطي رسائل خطيرة بأن الوضع يتجه الى الأسوأ. ولم نكتف بذلك بل قمنا بالعديد من المبادرات، حيث أطلقنا مبادرة قروض ضخمة وصلت الى 6 ترليون دينار عراقي، رغم أننا نعرف أن ضخ الدينار يتحوّل الى طلب على الدولار لأن أغلب السلع مستوردة، لكن مع ذلك أردنا أن نعطي رسائل قوّة. وأيضاً تمكنا من الإمتثال للقوانين العالمية خصوصاً في ما يتعلق بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. ونقول بكل فخر أن ما قام به البنك المركزي العراقي في هذا المجال، يعتبر درساً نموذجياً للمصارف المركزية في العالم في كيفية التعامل مع الأزمات.

 

2- واليوم ما زال هناك العديد من التحديات الأخرى التي يواجهها القطاع المصرفي العراقي، ما أبرزها، وما هي الحلول التي تقدمونها؟

هناك 3 تحديات أساسية تواجه القطاع المصرفي في العراق:

التحدي الأول: يتعلق بحالة القلق العامة نتيجة الأحداث الأمنية في المنطقة والتطورات السريعة والمتلاحقة التي يصعب التنبؤ بنهاياتها وتداعياتها. وبالتأكيد فإن القطاع المصرفي والمالي يكون عادة المتأثر الأول بما يحصل من توترات، ويضطر الى بناء توقعات خارج إطار مسيرته الإعتيادية.

التحدي الثاني: يتمثل بصدور العديد من القرارات المتعلقة بحظر بعض الجماعات أو الكيانات أو الأشخاص، وهذه أصبحت مهمّة متواصلة تتقاطع لربّما أحياناً مع بعض الإعتبارات التي تنظر لها الدولة من ناحية سياسيّة. وهذا بالفعل يلقي عبئاً كبيراً على القطاع المصرفي ويجعله في حالة إنذار، لأن وقوع أي مشكلة تتعارض مع هذه القرارات قد يؤدّي الى بعض العقوبات.

والتحدي الثالث: هو علاقة القطاع المصرفي العراقي بالخارج، وذلك نتيجة انقطاع العراق في فترة سابقة عن العالم وما ترتب عن ذلك من تراجع في تطبيق المعايير العالمية، لاسيما في ما يتعلق بعملية مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. واليوم بعد أن قطعنا شوطاً كبيراً في وضع القطاع المصرفي العراقي على طريق الإلتزام بكافة هذه القواعد وإخراج العراق من المنطقة الرمادية، فتح المجال أمام المصارف العراقية لبناء علاقات أفضل مع المصارف الأوروبية والأميركية وسواها. كما قمنا في الفترة الأخيرة بمفاتحة بعض المصارف الأوروبية الكبرى بنيّتنا كمصرف مركزي بفتح إعتمادات لديها، كطريق لتوطيد العلاقات وتسهيل بعض العمليات والتسويات

 

3- وداخلياً تعتبر المشكلة الرئيسية التي تعاني منها المصارف الخاصة، هي سيطرة المصارف الحكومية على حوالي 90% من حصة السوق، علماً أن هناك جهودا كبيرة من «المركزي» باتجاه المزيد من دمج المصارف الخاصة في الحياة الاقتصادية والمالية بشكل أوسع، هل لنا بفكرة مفصلة عن الموضوع؟

يمثل هذا الموضوع إشكالية كبيرة في تركيبة القطاع المصرفي العراقي. ولمعالجة هذه القضية يعمل البنك المركزي منذ سنوات على إعادة هيكلة مصرفي «الرافدين» و«الرشيد»، وهما أكبر مصرفين حكوميين يسيطران على حوالي 70 الى 80% من القطاع. وقد قطعنا حتى اليوم شوطاً كبيراً في هذا الموضوع الذي تطلّب منّا جهداً جباراً استمرّ لسنوات في تسوية الحسابات التي تراكمت عليها المشاكل خلال فترة الحرب للوصول الى بيانات مالية واضحة فيها. والفكرة الأساسية في هذا الموضوع هي تغيير ملكية هذه المصارف باتجاه إدخال شركاء جدد فيها أو طرح جزء من أسهمها للعموم، علماً أن خصخصتها بشكل كامل صعب في الوقت الراهن لاعتبارات ومعوقات كثيرة. والحقيقة أن المصارف الخاصة لديها الحقّ بالمطالبة بهذا الموضوع، والمسألة ليس مسألة منافسة، حيث أن المصارف الخاصة تتنافس من حيث التنظيم وطبيعة الخدمات التي تقدّمها والتي تتفوق في بعض الأحيان على تلك التي تقدمها المصارف الحكومية، الا أن هذه الأخيرة قوية بسبب تعامل الحكومة معها وهي التي تضخ الكتلة النقدية الأكبر في السوق. ونحن أيضاً بصدد تصحيح هذه الحالة عبر توطين الرواتب وقبول إيداعات المؤسسات الحكومية في المصارف الخاصة والتي كانت ممنوعة في فترة سابقة. وهناك جملة من الإجراءات التي نقوم بها من خلال اللجنة الإقتصادية في مجلس الوزراء، باعتبار أن محافظ البنك المركزي هو عضو في هذه اللجنة.

 

4- وما هي الحلول لتعميم فكرة الشمول المالي، الذي يعتبر ضعيفاً جداً في العراق؟

من أولويات البنك المركزي التركيز على الشمول المالي، لإيصال الخدمات المصرفية الى أكبر وأوسع وأبعد المناطق والشرائح الاجتماعية. وقبل حوالي السنتين أو ثلاث سنوات كانت نسبة الشمول المالي لا تتعدى الـ 10%، بينما وصلت الآن الى 22%، ونتوقع أن تصل الى 30% أواخر 2019 وذلك عبر حملات التوعية وتشجيع الجباية الإلكترونية.

 

5- وأخيراً نهنئكم على الدور الوطني والإجتماعي الكبير في تمويل إعادة بناء الكنائس ودعم عودة الأقليات الى ديارهم في مناطق عدّة من العراق، ماذا تخبروننا في هذا المجال؟

أنشأ البنك المركزي بالتعاون مع المصارف العراقية والشركات المالية قبل أكثر من سنة صندوقاً خاصاً لمبادرة «تمكين»، وهدفها تنمية روح المساهمة الاجتماعية لدى القطاع المصرفي في الإتجاهات التي تخدم الحالات الإنسانية. وقد أنجزنا عدداً كبيراً من المشاريع، أهمها إعادة إعمار عدد من الكنائس في بغداد والبصرة ونينوى، وأهمية هذا المشروع أنه يحافظ على التنوع العقائدي والمذهبي في البلد، وهذا عنصر غنى في المجتمع، إضافة الى أن هذه الكنائس لها قيمة تاريخية وتراثية مهمّة.

 

حوار: رولا كلاس

أخبار من نفس الفئة