ذوالفقار قبيسي: الموازنة .. القطبة المخفية

ذوالفقار قبيسي: الموازنة .. القطبة المخفية
13 أيار 2019
مقالات
مشاركة

القطبة الاقتصادية المخفية في الموازنة أنها تختار للوضع الاقتصادي ، النهج غير الملائم ، بديلاً عن النهج الملائم . وللمصادفة كلاهما يبدأ بالحرف G:

GHANDI:  وهي "رمز التقشف" وشد الحزام وخفض النفقات وتجفيف السيولة في الاسواق، في الوقت الذي يعاني البلد والمؤسسات من أزمة سيولة هائلة . صحيح أن الدولة اذا خفضت النفقات ومعها خفض رواتب ٣٥٠ الف موظف ومتعاقد حكومي الكثير منهم عالة على موازنة الدولة ، تكون( مبدئيا ! ) قد خفضت عجز الموازنة، لكنها في الوقت نفسه تكون قد خفضت السيولة الضرورية في الاسواق للحفاظ على معدلات نمو هي اصلاً منخفضة حتى تكاد تصل احياناً الى معدل ال ١،٥ % ، ودون أن تقدم الدولة بديلا عن هذه السيولة التي تضخها عادة رواتب وأجور ينفقها في الاسواق أكثر من مليون لبناني يشكلون مجموع افراد عائلات موظفي القطاع العام، ولا بد انه في حال خفض رواتبهم واجورهم ايجاد سيولة بديلة ، والا في فإن تجفيف السيولة سوف يزيد في أزمة القطاع العام نفسه الذي متى انخفضت انتاجية القطاع الخاص بسبب نقص السيولة في الاسواق الناتجة عن خفض النفقات العامة والرواتب والاجور، سوف ينخفض حجم الضرائب والرسوم التي يدفعه القطاع الخاص للدولة التي ستنخفض عندها وارداتها ربما بمعدل اكبر من حجم الوفر الذي حققته بخفض النفقات العامة والرواتب والاجور ، فتكون الدولة عندها كمن يكتوي بالرمضاء بديلا عن النار ! وما يحصل الان هو أن نظرة الدولة الى الموازنة باتت تشبه النظرة الى ميزانية العائلة التي اذا شدت حزام الهبوط انقذت نفسها. اما الدولة فكثيرا ما يحصل انها عندما تشد الحزام يفلت الحزام في مرحلة الهبوط وتحصل الكارثة .

 

لنصل هنا الى خيار البديل الآخر الذي يبدأ ايضا بالحرف  G  وهو:

 GROWTH​:  او النمو. وفي هذا البديل تكون الأولوية الرئيسية للنمو متلازمة بالقدر نفسه وأكثر مع عملية خفض النفقات، والا كمن أراد ان يخفض السكري الى الحد المطلوب فانخفض معه الضغط الى الحد غير المرغوب . وهذا يعني ان على الدولة ان تعيد ضخ السيولة التي وفرتها من خفض الرواتب والاجور وباقي النفقات، في مشاريع منتجة تؤمن المزيد من السيولة في الإقتصاد المجفف، لا أن تكتفي فقط باستخدام هذه السيولة التي ستفقد من الاسواق، بمعالجة عجز الموازنة او حتى بمجرد خفض الدين العام وفي عقلية ميزانية العائلة بدلاً من عقلية موازنة الدولة والشعب والمجتمع. وهذا اذا تفاءلنا وحصل بالفعل أن الدولة سوف تستخدم الوفر الحاصل من خفض الرواتب والاجور، في خفض عجز الموازنة وخفض الدين العام .علما ان ان اكثر المؤشرات حتى الان تدل على عكس هذا الاتجاه. وفي هذه الحالة هناك كارثتان : استمرار ارتفاع الدين العام ومعه استمرار وربما ارتفاع عجز الموازنة ، ومعهما المزيد من جفاف السيولة في الاسواق وانخفاض معدلات النمو وارتفاع البطالة ، مع كل ما يعنيه ذلك من التاثيرات السلبية عل العملة الوطنية .

 

أخبار من نفس الفئة