دروس لإقتصاد ومصارف لبنان من أزمة بنك "إنتارا"، بقلم ذو الفقار قبيسي

مقتطفات من رسالة يوسف بيدس عام ١٩٦٨، بعد انهيار مصرفه، نشرت في مجلة "المصارف" وفي كتاب ذوالفقار قبيسي بعنوان: " يوسف بيدس فلسطيني حلم بمجد لبنان"
21 شباط 2019
مقالات
مشاركة

مقتطفات من رسالة يوسف بيدس عام ١٩٦٨، بعد انهيار مصرفه:

- انا لم اسرق. أخبروا المحكمة بهذا. هنا (في سويسرا) اريد ان ادفن. هنا وجدت الحرية الحقيقية. هنا يحترمون الانسان. نفسي تتوق الى الهدوء. ضعوني في حضن الطبيعة التي احببت. ليت القدس حرة فكنت اوصيكم ان تنقلوا رفات امي وابي اليها، وان ادفن بجوارها.

- بإمكاني تحطيم كل الاتهامات الموجهة ضدي بخمس دقائق. فأنا لم أخف قرشاً واحداً. لكنني لن اعود الى لبنان لتوضع الاصفاد بيدي، ولكي يرمونني في السجن، دون محاكمة، ولكي يسكتونني الى الابد.

- كل ما اريده هو ان اشرح لشعبنا سبب المأساة وبحيث يكون هناك رادع لأولئك الذين عملوا وما زالوا يعملون على الزج بلبنان في هاوية الفوضى والنكبات المالية.

 

رأي في مصرفية بيدس 
بقلم ذوالفقار قبيسي

إن نظرة سريعة على ميزانية بنك "إنترا" تدل على انه رغم كونه "مصرف تجاري "، كان يتصرف وكأنه "مصرف اعمال" من النوع الذي ازداد انتشارا في هذا القرن وبما لم يعد من المستغرب وجوده في البلاد غير المصرفية في العالم فكيف في بلد مصرفي ذائع الصيت كلبنان؟

الا ان ما يدعو الى الاستغراب، بناء على نظريات مصرفية - أبرزها النظرية المصرفية الانكليزية المحافظة - أن مصرفاً تتخذ ودائعه الصفة التجارية - الكثير منها تحت الطلب او لآجال قصيرة - لا يجوز أن يتصرف كمصرف أعمال، فيدخل في مشاريع كبرى تحتاج الى ودائع ذات استحقاقات بعيدة المدى.

وأمام هذه القاعدة العامة، يمكن الذهاب الى ان نشاط "إنترا" أو بيدس لا ينطبق على الأسس المصرفية السليمة . ونحن لا ندري اذا كان بيدس عمل في حياته المصرفية إنطلاقا من نظريات محددة، الا ان ما يمكن تسجيله لصالحه هو نظرية أخرى معروفة في المانيا يعمل بها الكثير من المصارف الالمانية تسير عكس النظرية الانكليزية.

وأهم ما في النظرية الالمانية - التي تبدو مبدئيا منطبقة على "مصرفية" بيدس - هي انه لا يجوز للمصارف ان تتصرف كل يوم على طريقة الـ stress test وكأن سحب الودائع أو run on the bank حاصل في أي لحظة اليوم أو غداً. إن هذا، في اعتبار أصحاب هذه النظرية، يفقد المصارف أسلحة وأدوات مهمة في عملية البناء الاقتصادي. وأنه من الافضل أن تستثمر حتى الودائع ذات الآجال المتوسطة في المشاريع الصناعية التي كان للنظرية المصرفية الألمانية الفضل الاول في ازدهارها في تلك البلاد.

وترى هذه النظرية أن الودائع المتوسطة الآجال وتحت الطلب - في الظروف العادية - قد تتوازن بشكل "مقاصة". أي ان ما يسحب من المصرف قد لا يزيد كثيرا عما يودع. وعلى البنك أن يكتفي باحتياطات نقدية بسيطة في حال ازدياد نسبة الاموال المسحوبة على الأموال المودعة.

ولكن ماذا يحصل لو أن هزة اقتصادية أو سياسية أو إجتماعية أو أمنية كبرى أصابت البلاد جعلت المودعين يسارعون الى سحب ودائعهم بالجملة؟

تقول النظرية الألمانية أن هذا الموقف رغم صعوبته يمكن حلّه بتدخل الدولة التي عليها أن تتخذ إجراءات سريعة لحماية المودعين عن طريق مساندة المصارف وإعادة الثقة للنفوس. وتصرّ هذه النظرية على أن بعض الناس في هذه الظروف قد يسحبون بعض الودائع ليوم واحد او يومين او ثلاثة على الاكثر ثم لا يلبث الخوف أن يزول عندما تثبت المصارف - بمساندة الدولة - انها قادرة على الصمود.

كما تعتبر هذه النظرية أن هناك اجراءات كثيرة يمكن إتخاذها لإعادة الثقة تجاه أي أمة كبرى - نادراً ما تحصل - بما يجعلها ذات تأثيرات مؤقتة وأحيانا سحابة صيف عابرة لا تلبث بعدها الأوضاع أن تعود الى مجراها الطبيعي.

والعدل يقضي بأن اعتماد المصارف الألمانية هذه النظرية في أعمالها كان العامل الرئيسي في ازدهار الصناعات الألمانية التي استطاعت تجهيز طاقاتها المالية عبر المصارف إضافة الى ما توفره لها التمويلات المساندة من مساهمات البورصة والاسواق المالية.

فهل عندما دخل "إنترا" في مشاريع كبرى بودائع متوسطة الآجال أو تحت الطلب، كان هناك في لبنان ما يطمئن "إنترا" وبيدس من بنك مركزي فاعل؟ أو بورصة أو سوق مالية ناشطة تدعمه وتسانده إذا تعرض لهجمة مودعين؟

فكيف اذا كانت الهجمة التي أسماها بيدس " مؤامرة " ساهمت بالفعل والى حد بعيد في انهيار "إنترا"، وهي المؤامرة التي كان بيدس يترصدها حتى منذ بداية إنطلاقة أعمال مصرفه، كما قال في تصريحاته ورسائله بعد نشوب الكارثة، ولكن دون أن يعد في مواجهتها سلاح الإحتياطي النقدي والمالي في مصرف لم يكن يعمل بنظرية مصرفية محافظة انكليزية تحميه من الشدائد، ولا بنظرية مصرفية المانية تنقذه من الطوارئ، وإنما غالباً بفطرة شرقية او لبنانية خاصة دون التأكد من مدى انطباقها على نظريات مصرفية من أي نوع!

لعلّ بوسع يوسف خليل بيدس أن يكتفي بالرد ان ما أنجزه مصرفه من النتائج والثمار في مؤسسات ومشاريع كان "إنترا" المصرف الأكبر الرائد في تمويلها وإنجازها، هو من الأهمية الإقتصادية الكبرى الى درجة تجعل الدولة اللبنانية تسارع الى دعمه مالياً ومساندته معنوياً في حال تعرضه لأزمة نقدية.. وبما يشبه النظرية الألمانية، ولو على الطريقة اللبنانية ! !

لكن النتائج في اللحظة الحرجة، أثبتت أن يوسف بيدس رغم كل المشهود له والمشهور عنه من عبقرية خارقة في عالم المال والمصارف، إذا كان قد تصور أو توقع مثل تلك النتائج فإن تصوره وتوقعاته كانت عكس ذلك (من مقال ذوالفقار قبيسي في مجلة" الصياد " خلال ازمة انترا عام ١٩٦٦).

فمن أكثر المبادئ المصرفية والاقتصادية بداهة، أن يرسم صاحب المصرف صورة وأسلوب مشروعه على غرار صورة وأسلوب الحياة المصرفية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلد الذي يعمل فيه. في حين أن صورة وأسلوب وطريقة بيدس في العمل المصرفي كانت نوعاً من "لاغتراب" الدولي عن واقع شرقي ولبناني اصطدم فيه هو ومصرفه بتناقضات وانتماءات داخلية اشعلتها الحملات وبلغت احياناً حد العداوات.

إن الايام التي قضاها بيدس في عواصم العالم كادت تكون أكثر بكثير مما قضاه في بيروت التي تذكر أن بيدس كان يقضي في الجو ساعات كثيرة جداً في الطائرة التي كان لا ينزل منها الا ليلحق بسواها. وهذا الإنشغال، الضروري ربما، عن تناقضات البلد الذي أسس فيه بيدس صرحه المصرفي والمالي، كان يحمل في ذاته نواة الجفاء بين البلد ورجالاته، وما يمثله البلد والرجالات، ايّا كانوا، من تقاليد خصوصية محلية، وبين طريقة بيدس "الكوزموبويليتية الدولية "اللا منتمية" في العمل .

لا نود أن يعني هذا الكلام أنه من غير المستحب أن ينظر الانسان الى آفاق اكثر بعداً من حدود بلاده، فالطموح أساس التقدم والقوة الدافعة لبناء الأمم والأوطان، الا أن ما نود ان يعنيه خصوصاً، أنه لم يكن من حق بيدس أن يشكو من ثورة التناقضات عليه ما دام قد امتهن الثورة عليها.
وليس لأحد أن يقول لنا الآن، من كان على حق هو أم التناقصات؟ 
إن هذا عمل التاريخ.

أخبار من نفس الفئة