كيف توقع الدكتور سليم الحص أزمة بنك إنترا قبل 10 أشهر من وقوعها؟

الدكتور سليم الحص اطال الله عمره ، كيف توقع ازمة بنك انترا قبل وقوعها بحوالي ١٠ اشهر بمقال في مجلة "المصارف" ؟
15 شباط 2019
مقالات
مشاركة

بقلم ذوالفقار قبيسي

يقتضي الوفاء للذكريات ان اروي كيف ان الرئيس سليم الحص ، , توقع ازمة بنك انترا قبل حوالي ١٠ اشهر من حصولها ، وقالوا عنه يومها انه بهذا التوقع يخلق حالة من الذعر في الوسط الاقتصادي والمالي والمصرفي ، لكن الاحداث اثبتت ان تحذيره كان في محله، ولو انهم سارعوا يومها الى انقاذ الموقف قبل فوات الاوان ، لكان لبنان ربما تجاوز" القطوع" المصرفي الذي ترك في العام ١٩٦٦ اثارا اقتصادية سلبية على مدى عشرات السنين.

والقصة تبدأ عندما كنت ورفيق الصبا وذكريات الشباب الزميل مصطفى الجندي، المقيم الآن في انكلترا ، معا في مجلة "المصارف" ( المجلة المصرفية الاولى في العالم العربي ) بعد ان استقلنا سوياً من مهامنا الادارية في البنك الاهلي التجاري في بيروت، لننصرف الى الاعلام الاقتصادي والمصرفي ، وكان الدكتور سليم الحص يعلّم مادة الاقتصاد والمال في الجامعة الاميركية في بيروت ( ومن بين الذين تخرجوا على يديه في فترات سابقة الاستاذ (الرئيس لاحقاً) فؤاد السنيورة ).

وكان الدكتور (الرئيس لاحقاً) سليم الحص يزورنا في مكتب المجلة ونتشارك التداول في الاوضاع الاقتصادية اللبنانية والعربية ، حتى كان ذات يوم من شهر كانون الاول عام ١٩٦٥ عندما حمل الينا الدكتور سليم الحص مقالا على جانب كبير من الخطورة يتضمن معلومات للبنك الدولي عن الوضع المصرفي في لبنان للعام ١٩٦٢، مع احصاءات مستمدة من النشرة الاحصائية ربع السنوية عن مديرية الاحصاء المركزي في لبنان عن العام ١٩٦١، واحصاءات مستمدة من عدد كانون الثاني ١٩٦٤ من الاحصاءات المالية الدولية للبنك الدولي، يستدل من تحليل مجموعها ان نسبة الاحتياطيات النقدية المصرفية في لبنان لم تكن تتعدى ال ٥ % فقط، الامر الذي قد يفتح الباب على ما اسماه الدكتور سليم الحص في افتتاحية العدد مطلع العام ١٩٦٦ "احتمال توقف مؤسسات كبرى عن الدفع" ودون ان يذكر المقال بالاسم "بنك انترا " الذي كان يومها بمثابة المصرف الاكبر حيث كانت مصارف لبنان تودع احتياطياتها لديه مقابل فائدة تتقاضاها من انترا الذي يقوم باستثمار هذه ا لاحتياطيات بفوائد اعلى يجنيها من اسواق المال العالمية ، وذلك قبل ان تنتقل الاحتياطيات فيما بعد الى مصرف لبنان الذي كان يومها حديث الولادة .

ولا انسى كيف زارنا الدكتور سليم الحص في مكتب المجلة في الوسط التجاري (مبنى بنك بيروت والبلاد العربية) وسلمنا المقال و قبل ١٠ اشهر من توقف انترا معززاً بالاحصائيات عن وضع السيولة العامة من خلال المعطيات المصرفية الرئيسية التي وصل الدكتور سليم الحص من خلالها الى حقيقة حجم الاحتياطيات النقدية في حينه لدى مجموع مصارف لبنان، وذلك من ضمن خمسة بنود هي : مجموع الكتلة النقدية، الاوراق النقدية خارج المصارف، مجموع الاوراق النقدية المصدرة، الارصدة النقدية للجهاز المصرفي (٣-٢) والودائع تحت الطلب (١-٢) وتبين له بالنتيجة ان حجم الاحتياطي النقدي المئوي لدى القطاع المصرفي اللبناني في حينه ، لا يتعدى الـ ٤ بالمائة !!!

وهكذا ولد المقال - الافتتاحية الذي اشرت اليه في كتابي:( يوسف بيدس: فلسطيني حلم بمجد لبنان) .

 

وقد نشر المقال في العدد رقم ٣٩ تاريخ ١٥كانون الثاني -يناير ١٩٦٦ من مجلة "المصارف " تحت عنوان :

١٩٦٦ : عام سعيد ؟

بقلم الدكتور سليم الحص

"ليس من شك في ان سوق الاعمال في لبنان تلاقي نقصا متزايدا في السيولة المالية، وذلك بسبب ازدياد حجم الاعمال نتيجة توسع المصارف في التسليف دون خطة انضباطية منظمة مما جمد اموالاً (الكثير منها ليس لاهل البلد) في مشاريع مستجدة ، فلما حان الوقت لتحصل هذه المشاريع على الرأسمال الضروري لم تجد عند المصارف الشجاعة نفسها التي كانت في الماضي ... والسبب بسيط هو ان الكثير من الودائع، بعد ازمة المصرفين العقاري والتجاري ، بات يتحول من ودائع لاجل الى ودائع تحت الطلب، والكثير منها يذهب الى الخارج حيث مجالات الاستثمار باتت ارحب مع ارتفاع الفائدة في المراكز الرئيسية لاستثمار الاموال ، فضلا عن الاوضاع في بورصة بيروت، ويرمز اليها الاضراب الذي قام به الوسطاء اخيراً في ظروف بلغت فيها المبادلات يوميا ٣٠٠٠ ليرة لبنانية فقط. وهذه الاوضاع ليست فقط نتيجة عدم تنظيم مجالات الاستثمار في لبنان وانما هي ايضا سبب من اسباب فقدان الثقة المتزايد، يضاف الى ذلك ان القطاع العقاري قد استهلك الكثير من الرساميل المتحركة. ولعل في مشروع مثل "المشرف" (شركة انماء الاراضي والمياه) ما يعطي المثل على هذه الظاهرة .

"والسؤال المهم: ما دام جزء كبير من المال المتحرك قد تجمد وجزء كبير منه يأخذ سبيله الى الخارح فما الذي يبقى في السوق اذن من السيولة المالية؟ ما الذي يبقى عند المصارف لتسلف بالسياسة نفسها التي درجت عليها في الماضي؟

" من هنا يمكن القول ان الوضع الاقتصادي المرتقب للعام ١٩٦٦ سيكون عام الحاجة المتزايدة الى السيولة المالية، واذا لم يتمكن البنك المركزي من ايجاد حلول عملية فان هناك مجالا كبيرا لتوقف مؤسسات عديدة، ومؤسسات كبرى بنوع خاص، عن العمل. وليس في الجو مايشير الى ان اموالا جديدة ستتدفق على البلد خصوصا بعد ان وجد المتمولون العرب مجالات جديدة لهم في اوروبا واميركا او في بلادهم بالذات . مقابل هذا كله يجب القيام بعمل ما "

(هذا المقال للدكتور سليم الحص عززه يومها باطار (كادر) عن الاحتياطي النقدي الضئيل لدى مجموع مصارف لبنان :

مجموع الكتلة النقدية ١٤١١ 
الاوراق النقدية خارج المصارف ٤٤٠ 
مجموع الاوراق النقدية المصدرة ٤٧٨ 
الارصدة النقدية للجهاز المصرفي ( ٣-٢) ٣٨ 
الودائع تحت الطلب ( ١-٢) ٩٧١ 
نسبة الاحتياطي النقدي المئوية % ٤

 

وبعد مقال الدكتور سليم الحص اوردت مجلة" المصارف" عند نشوب ازمة انترا المقال التالي :

بقلم ذوالفقار قبيسي

"من الطبيعي ان افتتاحية "المصارف" بقلم الدكتور سليم الحص قبل حوالي ١٠ اشهر من ازمة بنك انترا كانت تركز على ازمة السيولة عموماً ولاسيما وبصورة غير مباشرة لدى مؤسسات كبرى منها بالطبع بنك انترا ، فقد كانت السوق المالية اللبنانية قبل الازمة مقبلة على ظروف صعبة ، نتيجة لازدياد الاغراءات في الخارج وفي طليعتها الفوائد المرتفعة التي بلغت يومها في اليابان٩ % وبريطانيا ٨ % والدانمرك ٦،٥ % وجنوب افريقيا والسويد ٦ %. ولم يكن عند الدولة اللبنانية دراسة رسمية تصل الى نتيجة محددة حول كيفية المواجهة . وحتى عندما قررت فرنسا اعتماد سياسة تحويل النقد الى ذهب ، وقررت الولايات المتحدة ودول اخرى خفض استثماراتهافي الخارج ورفعت بدورها الفائدة على الودائع، وحتى عندما ظهرت في العالم ادوات استثماريةشعبية جديدة تعتمد على ال mutual funds تصل ارباحها احيانا الى ٢٠ و٢٥ % مما اجتذب كميات ضخمة من الرساميل من مختلف انحاء العالم ، وحتى عندما بدأ الجيل الجديد من ابناء المتمولين في البلاد العربية استعمال معارفه التقنية المالية الجديدة في استثمار امواله في الاسواق العالمية ، حتى عندما حصل هذا كله لم يكن في لبنان من يقدر على التصرف او يعرف كيف يتصرف او على الاقل يهتم في معرفة كيف يتصرف.

"في ذلك الوقت، ونتيجة للارث الثقيل الذي ورثه المصرف المركزي الذي كان في بداية عهده، كان هناك مصارف كثيرة لا تعمل بالشكل القانوني المطلوب أو بموجب ما يقول به العرف المصرفي والقوانين المصرفية العالمية، ناهيك بنصوص قانون النقد والتسليف، وكان من كبار الذين يعرفون هذه الامور صندوق النقد الدولي منذ العام ١٩٦٤ (ومعها احصاءات الدكتور سليم الحص في مجلة "المصارف" في حينه وقبل حوالي ١٠ اشهر فقط من سقوط انترا، مستقاة من الاحصاءات المالية الدولية ومديرية الاحصاء المركزي في لبنان) اظهر تحليلها ان نسبة الاحتياطي النقدي في القطاع المصرفي في لبنان لا تتعدى ال٤ % !!!.

"ولم تنفع يومها لمعالجة الموقف اقتراحات منها رفع الفائدة المحلية لجعلها تضاهي المعدلات العالمية، والغاء ضريبة الدخل على ارباح الشركات المساهمة لتشجيع اللبنانيين والعرب على الاستثمار، والغاء ضريبة الدخل على فوائد الودائع، وايجاد نوع من الرقابة الفعالة على الشركات المساهمة لطمأنة المستثمرين، وتنظيم عمليات دمج مصرفية، والبدء بالاصلاح الاداري، وايجاد حد ادنى من التوافق بين القوى السياسية المتصارعة لضمان استقرار من شانه خلق المزيد من الثقة لدى المودعين اللبنانيين والعرب، والعمل على المزيد من انصاف الفئات المحتاجة كي تسهم بطوعية في بناء وطن وتضحي من اجله، واعتماد المزيد من تصاعدية الضرائب، وتعزيز الضمان الاجتماعي، واعطاء الحمايات الاضافية للصناعة القادرة على الاستمرار في ظل الحماية المعقولة، والايمان باللبنانيين كثروة بشرية ينبغي ان توفر لها ظروف ومجالات العمل للانتاج (طالع كتاب ذوالفقار قبيسي : "الازمة المصرفية في لبنان" " (الصفحات ٣١ الى ٤١ )

في مثل هذا الجو كانت كارثة انترا التي حصلت في ١٥ تشرين الاول ١٩٦٦تنسج خيوطها دون ان يتمكن احد من ايقافها بـ "معجزة" ولت مع افول شمس المعجزات .

أخبار من نفس الفئة