كيف استطاع مصرف لبنان تعزيز الاحتياطيات وتمويل النمو ولجم التضخم وتحصين الاستقرار النقدي والأمن الاجتماعي؟

.. وبعد الدروس من الأزمة التركية حيث أدّت تداخلات السلطة السياسية في السلطة النقدية، الى مضاعفات على الليرة التركية والقطاع المصرفي والوضع الاقتصادي والاجتماعي، وارتفاع معدل التضخم الى 25%!.. دروس جديدة هذا الشهر من الهند
02 كانون ثاني 2019
مقالات
مشاركة

ذوالفقار قبيسي:

.. وبعد الدروس من الأزمة التركية حيث أدّت تداخلات السلطة السياسية في السلطة النقدية، الى مضاعفات على الليرة التركية والقطاع المصرفي والوضع الاقتصادي والاجتماعي، وارتفاع معدل التضخم الى 25%!.. دروس جديدة هذا الشهر من الهند، حيث تكررت التداخلات نفسها في نتائج شبه مماثلة أدت الى استقالة حاكم البنك المركزي الهندي URJIT PATEL بعد استقالة سلفه السابق RAGHURAM RAJAN بعد مواجهة ضغوطات اعلامية ودعوات سياسية طالبت بأن يتخلى البنك المركزي الهندي عن جزء كبير من الاحتياطيات النقدية وطرحها في الأسواق، ولو على حساب سلامة العملة الوطنية ومتانة القطاع المصرفي!! بحرمان السلطة النقدية من أدوات المواجهة أمام أي ظروف طارئة، ما أدى الى اضطرابات في الأسواق المالية التركية والهندية ما زالت تداعياتها مستمرة حتى الآن.

 

دروس للبنان

.. وأما الدروس من الأزمتين للبنان، فهي مدى أهمية الحرص على احتياطيات عالية لدى المصرف المركزي رغم اعتراض المعترضين، ولو بهندسات مالية بفوائد عالية نسبياً تفرضها منافسات نقدية دولية، واضطرابات اقليمية ونزاعات سياسية محلية تنتج باستمرار عجوزات مالية، لا يمكن للسلطة النقدية أن تتصرف تجاهها وكأنها "جسم نقدي غريب" وبعقل "حيادي" يعمل بعقلية تجارية تتناقض مع المبدأ الأساسي لمفهوم الدولة والمؤسسات، بأن "فكرة النقد مرتبطة بفكرة الوطن".

وهكذا أمام مسلسل من الأزمات المتلاحقة من تداعيات ما سمي بـ"الربيع العربي" وتدفق عدد هائل من النازحين السوريين الى لبنان، وهبوط أسعار النفط وارتفاع الفوائد العالمية، وتراجع الصادرات والاستثمارات، وانخفاض الدخل السياحي من 8 مليارات دولار الى 3,5 مليارات دولار، وانحسار القطاع التجاري بنسبة 30%، والانفاق الاستثماري في الموازنة العامة الى نسبة 2% مقارنة بـ6% متوسط دول الأسواق الناشئة، اضافة الى عجز كبير في الميزان التجاري يفوق الـ20% من الناتج المحلي وعجز في المالية العامة يفوق الـ10% من الناتج المحلي الاجمالي وارتفاع الدين العام الى 86 مليار دولار تشكل 150% من الناتج هي الثالث الأعلى في العالم.. كلها عوامل تستوجب احتياطيات عالية من العملات لدى مصرف لبنان بلغت في منتصف كانون الأول 2018 (حوالي 41 مليار دولار) مع مخزون ذهب 9,33 مليون أونصة بـ11,43 مليار دولار، وسندات سيادية لبنانية وغير لبنانية متقاربة الحجم بـ40 مليار دولار، وتسليفات للقطاع المالي بـ24 مليار دولار وموجودات أخرى بـ26 مليار دولار، بما مجموعه حوالي 142 مليار دولار (منها احتياطيات عالية بنسبة 82% من حجم النقد المتداول MONEY SUPPLY) تشكل الموجودات الخارجية منها مع احتياطي الذهب 69,36% من صافي الدين العام، وتغطي أكثر من 118 شهراً من خدمة الدين و31 شهراً من فاتورة الاستيراد، وبما وصفته الوكالة "موديز" الدولية في تقريرها الأخير بانه دليل على "قدرة مصرف لبنان في الحفاظ على درجة من الاستقرار المالي برغم "معدل مرتفع من عدم التوازن" في معدلات الاقتصاد الكلي وسط اضطربات سياسية"، وفي ظروف استثنائية تواجهها السلطة النقدية بخمس مهام رئيسية:

 

أولا:

ضرورة تأمين التمويل اللازم والسيولة الكافية للمؤسسات العامة تجاوزت  الـ34 مليار دولار، حفاظاً على كيان الدولة RAISON D`ETRE، مع  توصيات دائمة من المصرف المركزي كي تحزم الدولة أمرها في اصلاحات ادارية هيكلية وادارية ومالية تضمن استمرارية الحكم وتعيد تصويب المسيرة المالية والاقتصادية والاجتماعية، بما فيها أخيراً ضرورة التزام الدولة بشروط مؤتمر"سيدر" ومنها تعهد لبنان خفض العجز في الموازنة العامة 1% سنوياً مقابل الحصول على هبات وقروض بـ11,7 مليار دولار، وهي شروط جرى تجاهلها حتى الآن حيث تم توظيف حوالي 5 آلاف شخص في 2018، وارتفعت نفقات الموازنة خلال الـ6 أشهر الماضية بنسبة 29% (من 4,6 مليار دولار الى 5,9 مليار دولار) غالباً بسبب ارتفاع كلفة الرتب والرواتب بحوالي 45%! مع توقعات بأن يصل العجز نهاية العام الى حوالي 6 مليارات دولار أو بأكثر من 11% من الناتج المحلي الاجمالي وقد تتجاوز الـ7 مليارات دولار في حال عدم تطبيق الاصلاحات التي يطالب بها المجتمع الدولي. لا سيما مع ارتفاع خدمة الدين العام الى 5,5 مليار دولار، تشكل %30,5 من انفاق الموازنة. مع تراجع الدفق النقدي بمعدل 11,6% الى 11,3 مليار دولار، وارتفاع العجز التجاري من 13,9 مليار دولار الى 14,4 مليار دولار، والاستيرادات من 6,2 مليار دولار الى 16,9 مليار دولار، مع تراجع الصادرات الى 2,5 مليار دولار مقارنة بـ4,5 مليار دولار عام 2012، وارتفاع عجز ميزان المدفوعات في 2018 الى 3,1 مليار دولار، مقابل عجز 1,1 مليار دولار عام 2017 بعدما تحقق فائض عام 2017 نتيجة الهندسات المالية من قبل مصرف لبنان بعد عجوزات في ميزان المدفوعات بحوالي 9,6 مليار دولار خلال الـ6 سنوات الماضية وانخفاض 22% في عدد رخص البناء وانخفاض معدل النمو الى متوسط 0,8%، بديلا عن نسبة الـ5% الحد الأدنى المطلوب لتشغيل الاقتصاد لتلبية المتطلبات المالية والحد من البطالة، عن طريق رفع الاستثمار الخاص الى الناتج المحلي من 20% العام 2017 الى حوالي 35%، لاجتذاب حوالي 25 مليار دولار خلال 5 سنوات مقبلة، بما يزيد واردات الدولة بحوالي 5 مليارات دولار سنوياً وتصاعدياً، يعرقلها غياب اصلاحات هيكلية وادارية تبدو في الوضع السياسي الحالي المرتبك، بعيدة المنال! ما أدى أخيراً الى خفض التصنيف السيادي المستقبلي من قبل وكالة "موديز" من "مستقر" الى "سلبي"!

 

ثانياً:

 ضرورة تأمين التمويل اللازم والسيولة الكافية لاستمرار انتاجية القطاع الخاص التي بلغت 59 مليار دولار منها 15 مليار دولار من القروض المدعومة، بما يضمن معدلات نمو تتناسب مع توفير فرص العمل، واستمرار السلم الاقتصادي والاجتماعي.

 

ثالثا:

 ضرورة الحفاظ على قوة العملة الوطنية بما يضمن الاستقرار النقدي وعلى القوة الشرائية لملايين اللبنانيين، المقيمين والمغتربين ممن راهنوا عن قناعة اقتصادية ووطنية، على ثبات قوة ادخاراتهم وودائعهم بالليرة اللبنانية، وبما يضمن في الوقت نفسه استمرار الدفق النقدي للنمو الاقتصادي ولتلبية حاجات المعيشة وتغطية الاستيرادات ومتطلبات الحياة، واحتواء التضخم ضمن نسب أمان معقولة، وفي مناخ صحي من الثقة العامة عبر عنها رئيس الاحتياطي الفدرالي الأميركي السابق PAUL VOLCKER في مذكراته التي صدرت أخيراً بعنوان KEEPING AT IT: "ان المسؤولية الأساسية لأي سياسة نقدية هي الحفاظ على الثقة مقترنة بأسلوب حاكمية مصرفية مركزية ذات صفات مميزة في TEST OF CHARACTER".

 

رابعاً:

 تحقيق التوافق بين كل من هذه المهمات الثلاث، واستمرار قوة ومتانة النظام المصرفي بما يضمن الانسجام بين متطلبات "الصحة المصرفية" لجهة كثافة الاحتياطيات واستمرار ثقة المودعين المحليين والعرب والأجانب، ومتطلبات المعايير الدولية لا سيما بازل3 وسواه من القواعد المصرفية العالمية التي عززها ارتفاع موجودات القطاع المصرفي في لبنان الى 243 مليار دولار من ضمنها ارتفاع اجمالي الودائع الى 178,2 مليار دولار، وبما يعزز ليس فقط صلابة وملاءة ونشاط القطاع، وانما استمرار تطوره لا سيما في ظروف اقتصادية ومالية صعبة تقتضي مواجهة المخاطر النقدية ومنها ما حصل خلال أزمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 والعدوان الاسرائيلي على لبنان 2006 حين تم تحويل ما يقارب 30% من الودائع بالليرة الى العملات الأجنبية، أو ما حصل من تحول حوالي 4% من قاعدة الودائع  الى الخارج خلال أزمة استقالة الرئيس سعد الحريري.

 

خامساً:

 الحرص على حسن تنفيذ هذه المهمات الأربع مع تجنب معدلات عالية من التضخم هو أولا وأخيراً ظاهرة نقدية من اختصاص المصارف المركزية على حد وصف الاقتصادي الشهير "ميلتون فريدمان": INFLATION ALWAYS AND EVERYWHERE A MONETARY PHENOMENON تقع مسؤولية احتوائه أو ترويضه على عاتق المصارف المركزية.

 

"مصادرة السيولة"؟! تناقضات في حرب نظارات

والمشكلة أنه تجاه هذه المهام المتزايدة أمام مصرف لبنان، هناك من يخلط الأهداف السياسية بالمعطيات الاقتصادية أو يقدم "دروسا" غير عملية حافلة بالمتناقضات، تشبه "حرب نظارات" من مسافات بعيدة أو "برج عاجية" تتعالى على وقائع وحقائق مالية ونقدية ووقائع اقتصادية وأمنية وسياسية بشكل "هجوم على الرئتين" في جسم لبنان المصرفي في دعوات "تنظيرية" واعلامية  الى ما أسماه البعض "ضرورة عدم مصادرة السيولة" من قبل مصرف لبنان! ووقف "تعقيمها"!، كما هو التعبير في أحدى المقالات التي أوردت "ان مصرف لبنان يواصل عملياته لمصادرة كل سيولة لدى المصارف! بهدف منعها من التحرك! والضغط على سعر الصرف!" أي في دعوة غريبة الى ترك سعر صرف الليرة على الغارب، بكل ما تعنيه هذه التقلبات من مخاطر على بنية الاقتصاد ومستوى معيشة اللبنانيين، وبما يجعل الوضع النقدي في لبنان فريسة المضاربات بالليرة وبالعملات الأجنبية، وهو الأمر الذي يواجهه مصرف لبنان في سياسة نقدية بدعم من شبه اجماع وطني، وتأييد من المؤسسات الدولية في طليعتها صندوق النقد الدولي الذي رغم انه أوصى العديد من دول الأسواق الناشئة بانتهاج معدلات صرف مرنة FLEXIBLE EXCHANGE RATE إلا انه استثنى لبنان من هذا التوجه داعياً المصرف المركزي الى الاستمرار "ولو في المدى المنظور" بسياسة التثبيت النقدي منعا لأي تداعيات جانبية نقدية ومالية واقتصادية واجتماعية.

 

"ريادة مالية"

والغريب في هذه المقالات التي مع تكرارها باتت تأخذ شكل "حملات"، تعترض من جهة على ما تسميه "مصادرة السيولة" وتعترف من جهة ثانية بانه "اذا أطلق مصرف لبنان هذه السيولة من عقالها، سوف تتجه بسبب الظروف الأمنية والسياسية الحاضرة الى عملات  أخرى غير العملة الوطنية".. كما تعترف في السياق نفسه بأن الدولة اللبنانية عبر العجوزات المتواصلة قد أهدرت الكثير من الواردات داعية الى "اتخاذ اجراءات استثنائية تتناول نوعية انفاق الدولة ومصادر تمويله"..

وهكذا لا يعرف القارئ الحقيقة في هذه التناقضات.. وهل هي دعوة الى الافراج عن هذه الاحتياطيات و"فكفكة تعقيمها"، ولو على حساب استقرار سعر صرف العملة الوطنية، وتهديد الثقة العامة المحلية والعربية والدولية بالقطاع المصرفي ومتانة النقد الوطني؟، أم انها دعوة إلى الحرص على هذه الاحتياطيات التي يعززها مصرف لبنان في مواجهة  ظروف محلية واقليمية عالمية صعبة في طليعتها: الارتفاع المتواصل في معدلات الفوائد العالمية، وظهور منتجات مصرفية استثمارية مغرية في العديد من بلدان المنطقة، وتراجع وتيرة معدل نمو الودائع خلال 10 أشهر، من 7,100 مليار دولار العام 2013 الى 4,58 مليار دولار 2018، مع انخفاض التسليفات الى القطاع الخاص (من 34% الى 25% من اجمالي الأصول ا) ترافق مع تراجع صافي الاستثمارات الأجنبية من حوالي 10% من الناتج  الاجمالي في 2002 ـ 2010 الى 3,4% في 2011 ـ 2017، بما يقتضي مواجهته لاستمرار الثقة العامة بالنقد الوطني والقوة الشرائية لملايين اللبنانيين من المقيمن والمودعين في لبنان والعالم، سواء باجراءات وهندسات مالية من قبل مصرف لبنان، وصفها تقرير "الأكونوميست" بـ"ريادة مالية" ضمنت للبنان في ظروف استثنائية، احتياطيات عالية من العملات في قطاع مصرفي قوي أشارت اليها وكالة "موديز" بانها تمكن لبنان "من استمرار القدرة في "الحصول على "تمويلات" من المانحين الدوليين وسط أوضاع تزيدها حدة مخاطر سياسية تقتضي فوائد عالية"، هي في لبنان بمتوسط 10%  وبنسبة أقل من متوسط الفوائد في بلدان  لا تواجه أزمات أمنية وسياسية مثل لبنان، منها على سبيل المثال، تضخم في مصر بأكثر من 15% وفائدة أكثر من 17%، وارتفاعاً في تركيا من 17,5%، الى 25%، بعد أن ساهمت التداخلات السياسية و"التنظيرات" العشوائية في خسارة الليرة التركية بحوالي 50% من قيمتها خلال فترة قصيرة جدا! مثلما ساهمت التداخلات السياسية في السلطة النقدية الهندية هذا الشهر في اضطرابات الأسواق المالية ترافقت مع تداعيات اقتصادية وأزمات اجتماعية وسياسية وأمنية.

أخبار من نفس الفئة